محمد بن جرير الطبري

144

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وأما قوله : مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فإنه يعني من بعد توثق الله منه بأخذ عهوده بالوفاء له بما عهد إليهم في ذلك ، غير أن التوثق مصدر من قولك : توثقت من فلان توثقا ، والميثاق اسم منه ، والهاء في الميثاق عائدة على اسم الله . وقد يدخل في حكم هذه الآية كل من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار في نقض العهد وقطع الرحم والإِفساد في الأَرض . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فإياكم ونقض هذا الميثاق ، فإن الله قد كره نقضه وأوعد فيه وقدم فيه في آي القرآن حجة وموعظة ونصيحة ، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق ، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليف به لله . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر عن الربيع في قوله : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فهي ست خلال في أهل النفاق إذا كانت لهم الظهرة أظهروا هذه الخلال الست جميعا : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وأفسدوا في الأَرض . وإذا كانت عليهم الظهرة أظهروا الخلال الثلاث : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ قال أبو جعفر : والذي رغب الله في وصله وذم على قطعه في هذه الآية : الرحم ، وقد بين ذلك في كتابه فقال تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ وإنما عنى بالرحم : أهل الرجل الذين جمعتهم وإياه رحم والدة واحدة ، وقطع ذلك ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها وأوجب من برها ووصلها أداء الواجب لها إليها : من حقوق الله التي أوجب لها ، والتعطف عليها بما يحق التعطف به عليها . و " أن " التي مع " يوصل " في محل خفض بمعنى ردها على موضع الهاء التي في " به " فكان معنى الكلام : ويقطعون الذي أمر الله بأن يوصل . والهاء التي في " به " هي كناية عن ذكر " أن يوصل " . وبما قلنا في تأويل قوله : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وأنه الرحم كان قتادة يقول حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة . وقد تأول بعضهم ذلك أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به وأرحامهم ، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية ، وأن لا دلالة على أنه معني بها : بعض ما أمر الله وصله دون بعض . قال أبو جعفر : وهذا مذهب من تأويل الآية غير بعيد من الصواب ، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه ، فوصفهم بقطع الأَرحام . فهذه نظيرة تلك ، غير أنها وإن كانت كذلك فهي دالة على ذم الله كل قاطع قطع ما أمر الله بوصله رحما كانت أو غيرها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قال أبو جعفر : وفسادهم في الأَرض هوما تقدم وصفناه قبل من معصيتهم ربهم